الذكــرى السـبعون بعد المئة على ميــلاد الحاج بتش أنتشوق

المسار التاريخي للحروف الأبجدية  ، والكتابة الشركسية

العامل الأساسي والأول للولوج إلى ميادين الحضارة الإنسانية هو أن يمتلك أي شعب ، أو أمة الحروف الأبجدية للغته ، والتي تمكنه من أن يقرأ ، ويكتب بها .%d0%b0%d0%bd%d1%87%d0%be%d0%ba-%d1%85%d0%b0%d0%b4%d0%b6%d0%b8%d0%b1%d0%b5%d1%87

لولادة ، ونشوء الحروف الأبجدية لأي شعب  يتوجب قيام ثورة شاملة ، أو تحصل تغيرات  كبيرة في  الحياة الثقافية ، والإقتصادية ، والسياسية . إن لوجود الحروف الأبجدية أهمية كبيرة في حياة ، وبقاء  أي شعب : إن فهم العالم الذي يحيط بنا ، وتفسير ظواهره ، وقوانينه ، واكتساب المعارف ، ومختلف أنواع العلوم الإنسانية ، والإطلاع على الأفكار ، والنظريات ، والقوانين الجديدة ، وكتابة التاريخ ، وتدوينه ، وأشياء كثيرة كل ذلك مرتبط ، وبشكل مباشر بوجود الحروف الأبجدية . تروي صفحات التاريخ أن الحروب المبيدة ، والنوازل ، والكوارث التي وقعت على الأرض أبادت ، ودمرت حضارات ، ومدنيات ، وثقافات انسانية لشعوب كثيرة  ، كما أتلفت أبجديات عديدة ، وأضاعت لغات ، وعادات ، وقيما ، وأنظمة ، وحكومات . إن الباحثين ، وعلماء اللغة ، والآثار ، والأنثروبولوجيا في بلادنا ، وفي البلدان الأجنبية قد بينوا أن الشعب الأديغي ، والأبخازي هم من الحات الذين كانوا يعيشون  قبل أربعة ، أو خمسة آلاف سنة كانوا في أطراف آسيا الصغرى ، وكانت لهم حضارة عريقة ، وثقافة ، وأنظمة ، ودولة ، وكانت لهم لغتهم ، وكتابتهم ، وقد ذكرذلك كل من » يو . ميساروش ، أ .تشيكوبافا ، يا . براون ، فياتش . ايفانوف ، ي . م .دياكانوف ، س. أ .ستاروستين ) .

إن كلمة » الكتابة »   ( ТХЫН ) ، ومشتقاتها ، والموجودة في جميع لهجات اللغة الأبخازية ــ الأديغية (  الأديغة ، الوبخ  ، والأباظة ، والأبخاز ) تثبت ، وتؤكد أنهم كانوا يعرفون الكتابة ، وأنه كانت لديهم أبجدية معينة أشار إلى ذلك كل من ( م . قوماخو ، خ . ورس ) ، وبناء على ذلك فإن هؤلاء الأقوام الذين نتحدث عنهم ، وبسبب

ما تعرضوا له من حروب ، ومصائب أكثر من مرة ، اضطروا أن يتركوا مواطنهم ، وينتقلوا إلى أماكن أخرى ، كما فقدوا نتيجة لذلك أبجديتهم ، وكتابتـهم . عندما تدقــق النظر ، وتبحـــث في كتب التاريخ ، والتراث يظهر لك  ــ وبكل وضوح ــ أن الشراكسة كادوا أكثر من مرة أن يقيموا نظام دولة ، ويشكلوا حكومة إلا أن ما حال دون ذلك ما تعرضوا له من حروب ، وقلاقل ، وفوضى ، وعدم استقرار. نشأة الكتابة مرتبط إذن ـ وبشكل كبيرــ  بوجود حياة مستقرة ، ونظام دولة . عندما اعتنق الشراكسة الدين المسيحي في القرن السادس كانوا يمارسون طقوسهم الدينية ، ويؤدون صلواتهم ، وأدعيتهم ، ويقومون بعباداتهم في الكنائس ، والأديرة باللغة الشركسية ، كما كانوا يستخدمون الإنجيل الذي ترجم إلى اللغة الشركسية ، وهناك من الدلائل ما يؤكد ذلك يوضح ذلك شورى نوغمه ، ويبين أن الشراكسة في ذلك الوقت كانوا في أقرب مسافة لتأسيس حكومة ، وإقامة دولة ذات نظام إلا أن الحروب ، والهجمات التي شنتها قبائل الغون على منطقة شمال القفقاس آنذاك وقفت كعائق كبير، وأخرت ذلك ولمدة طويلة ، وبعد ذلك وفي القرن الحادي عشر ، والثاني عشر انتشرت الكنائس وبصورة كبيرة في الأرض الشركسية ، وظهر بينهم كثير من القساوسة ، والدعاة المبشرين ( الموناخ ) ، ومن هؤلاء ( الشوجن ) كما يقول المؤرخ ، والمنقب عن الآثار التاريخية ( ن . لوْباتش) . وفي تلك الفترة أوشك الشراكسة أن يكونوا نظاما للدولة ، ويضعوا حروفا أبجدية للغتهم لولا أن تعرضوا للهجمات التترية ، والمغولية ، وما تحملوه ، وعانوه من تيمورلنك ، وتختامش  ، وما أعقبها من حروب خانات القرم ، والنغوي ، وحروب وردم  التي لم تتوقف ولبضع مئات السنين كل ذلك منع  شعبنا من أن ينمو ، ويتقدم اقتصاديا ، وثقافيا ، ومعرفيا ، وينعم بالراحة ، والإستقرار ، وما ألحق به الضرر الأكبر ، و المأساة الأعظم الحرب الأخيرة التي شنت على شعوب منطقة شمال القفقاس ، والتي كادت أن تقضي على شعبنا قضاء مبرما ، وكانت حرب إبادة ، وإفناء للشعب الشركسي الذي كان يصل تعداده إلى عدة ملايين نسمة ،  ولم يبق منه بعدها إلا مئات الآلاف بعد أن هجر ، وشتت في أصقاع الأرض ، وتعرض للمجاعة ، والأمراض ، والأوبئة  . تلك الحروب المتواصلة ، والمتلاحقة  أعاقت ، وأخرت شعبنا في أن يؤسس دولة لها نظامها ، ودستورها ، ولها أبجديتها ، وثقافتها . تذكر كتب التاريخ ، والتراث أن الحاج نطاوقه شرلوق من عشيرة الشابسوغ كان قد وضع حروفا أبجدية للغة الشركسية  فيما بين الســنوات الممتدة ( 1814 ــ 1825 ) ، وكان رجــلا متعلما ،

2014-%d0%ba%d0%bd%d0%b8%d0%b3%d0%b0-%d0%b0%d0%bd%d1%87%d0%be%d0%ba-%d1%85%d0%b0%d0%b4%d0%b6%d0%b8%d0%b1%d0%b5%d1%87ومثقفا إلا أنها لم تصبح أساسا للغتنا لأنه قام بإحراقها بعد ذلك لأنه رأى في منامه أن الله قد غضب عليه لأنه قام بحصر اللغة الحرة ، والطليقة التي تجري على ألسنة الناس كنهر رقراق ، وتقييدها في سلاسل أصوات ، ورموز معينة ، ومحددة ، فاستقيظ فزعا ، وخائفا ، وقام بإحراقها ، وإتلافها ( ن . شربينا ) .

ــ في سنة ( 1829 ) قام مدرس جامعة بيتربورغ » ن . جراتسيلوفسك » مستندا على الحروف الروسية بوضع أبجدية للغة الشركسية ، واعتمد عليها في تدريس الشبان الشراكسة الذين كانوا بين سرب القوات الجبلية القفقاسية ، وبعد ذلك أخذ الشبان الشراكسة يتراسلون معتمدين على هذه الحروف الأبجدية ،  ومما يؤسف له أنه لم يبق أي أثر لهذ الكتاب ، ولم يصلنا من هذه الأبجدية شيء حتى يومنا هذا ( أ . حاطان ) .

ــ  وضع الضابط الروسي ( ل . لوليه )  الذي عاش بين الشراكسة بضع سنوات أبجدية للغة  الشركسية معتمدا على الحروف الروسية أيضا ، واستند عليها في تأليف معجم سنة ( 1846) ، وأصدره بمدينة أوديسا ، وأرفقه بكتيب موجز عن قواعد اللغة الشركسية ، ولأن الأبجدية التي وضعها لم تكن تخلو من نواقص ، وأخطاء ، ولأنه لم يكن على معرفة ــ وبدرجة كافية ــ  بالعلوم اللغوية ، فإن أبجديته لم تصلح لأن تكون كتابا تعليميا يمكن أن يعتمد عليها في تعليم القراءة ، والكتابة باللغة الشركسية ، ولم تف بالغرض المطلوب .

2016-%d1%81%d0%b1%d0%be%d1%80%d0%bd%d0%b8%d0%baــ الباحث الإنجليزي ( ل . لويفيه ) اعتمد على الحروف اللاتينية ، والعربية سنة (  1854 ) ، وأصدر قاموسا ( انجليزي ـ شركسي ــ عربي ) و قاموس ( شركسي ــ انجليزي ــ تركي ) بمدينة لندن. المصدر :  ( أ. د . أشحماف ) .

ــ اشتغل شورى نغومه وبكل جد  ، وإخلاص ، ودون كلل ، أو ملل لفتح أبواب العلم ، والمعرفة أمام شعبنا ألشركسي ، وعمل كي  يمنحهم رموز القراءة ، والمعرفة ، ، واستطاع ، وبما يتناسب مع معارف عصره أن يؤلف أبجدية للغة الشركسية معتمدا على الحروف الروسية ، واستند عليها في وضع قواعد للغة الشركسية ، وفي كتابة النصوص المروية عن الفلكلور الشركسي ، وفي تسجيل ، وكتابة التراث الشركسي ، وغير ذلك ،  ومما يدعو إلى الحزن ، والأسف أنه لم يشهد صدور كتاباته  ، ومؤلفاته ، ولم يرها ، وقد رأت النور ، وطبعت ، وصدرت للناس . قام بترتيبها ، وتنظيمها ، وإصدارها في زمننا هذا وفي مجلدين ( ج . تورتشانينوف ) .

ــ عمر برْسَي : كان أفضل من حالفه الحظ ، ونجح في وضع أبجدية للغة الشركسية في القرن التاسع عشر ، وذلك في الرابع عشر من شهر آذار سنة ( 1853 ) ، وأصدره في مدينة تفليس وأسماه » بوكفار اللغة الأديغية » أي الشركسية ، وعلموا الأطفال ، والأولاد ولمدة عشر سنوات اللغة الشركسية في كل من ستافروبول ، ويكاتريندار، وييسكا ، ونوفا تشيركيسك  ، واعتبر اليوم الذي صدر فيه هذا البوكفار عيدا للغة والكتابة  الشركسية . لقد كافح مثقفونا في بلدان المهجر من أجل الحفاظ على لغتنا القومية ، من خطر الضياع  ، وعملوا بكل الوسائل ، والطرق من أجل تعليمها لأبنائهم ، وأحفادهم ، وتزويدهم بالثقافة الشركسية ، ففي مصر ، وفي سنة ( 1910 ) قام محمود خواج من شراكسة مصر بـتأليف كتاب للحروف الأبجدية الشركسية معتمدا على أشكال الحروف العربية ، وقام بإصداره في مدينة القاهرة . ( المصدر : أ . حاطان ) .

ــ قامت مجموعة من الباحثين الشراكسة في تركيا سنة ( 1908 ) بإصدار كتاب بوكفار ، وبالإعتماد عليه أصدروا باللغة الشركسية كتابا في الجغرافيا ، وكتابا يحتوي على آيات قرآنية بمدينة استانبول ، وشرعوا في أصدار جريدة الغوازَة . مابين          ( 1912 ــ  1914 ) جاءت مجموعة مثقفة من تركيا إلى أرض الوطن ، وافتتحوا عددا من المدارس في بعض القرى الشركسية ، وكانوا يدرسون العلوم الدينية ، واللغة الشركسية .

ــ أصدر محمد بتشحالقو في استانوبول سنة ( 1909 ) كتابا للأبجدية الشركسية معتمدا على الحروف العربية ، ثم قام بإصدار هذا الكتاب مستندا على الحروف اللاتينية . ( أ. حاطان ) .

ـــ في سنة ( 1918 ) باتقو بلناوقو كتاب بوكفار مستندا  على الحروف اللاتينية ، وفي تلك السنة أصدر الحاج تمه كتاب بوكفار معتمدا على الأحرف اللاتينية أيضا كما أصدر في مدينة استانبول كتاب المجموعة الأدبية باللغة الشركسية . ( د . أشماف ) .

ــ كان مثقفونا في الوطن الأم قلقون لعدم وجود حروف للكتابة الشركسية ، ومن يستحق أن نذكر اسمه ، ونتحدث عنه الحاج بتش أنتشوق من قرية أسقلاي حيث ألف

كتابا للأبجدية الشركسية سنة ( 1878 ) مستندا على أشكال الحروف العربية ، وكتب معتمدا على هذه الحروف أمثالا شركسية ، وحكايات ، وأخبارا تاريخية مروية ، وأغنيات شركسية ، وتتألف الحروف التي وضعها من ( 68 ) حرفا ، والتي ترمز لجميع الأصوات ، والحروف الشركسية . إن لم ليتسن للحاجبتش انتشوق أن يرى أعماله ، وكتاباته مطبوعة إلا أننا ، وإلى يومنا هذا نستخدمها .

%d0%bf%d0%b5%d1%80%d0%b2%d0%b0%d1%8f-%d0%bd%d0%b0%d1%83%d1%87%d0%bd%d0%b0%d1%8f-%d1%81%d0%b5%d1%81%d1%81%d0%b8%d1%8f-1955ـــ أعد سفر بي سيخو سنة ( 1918 ) بقرار من الحكومة مشروع  كتاب للحروف الشركسية معتمدا على أشكال الحروف العربية ، وقد اعتمد على الكتاب الذي أصدره ، وقام هو ، والسيد خدزل بتعليم التلاميذ اللغة الشركسية في المدارس حتى سنة            ( 1927 )  .

ــ قام كل من ( ن . ف ياكوفليف ، وداوود أشحماف ) سنة ( 1927 ) بإصدار كتاب تعليمي بوكفار جديد للغة الشركسية ، وبالإعتماد على الأبجدية السيريلية التي تستخدمها الشعوب السلافية ،  ومنذ سنة ( 1937 ) وحتى اليوم يستخدم الشراكسة هذه الحروف التي وضعها هذان الباحثان .

إن شعبنا الشركسي كباقي الشعوب الصغيرة بمنطقة شمال القفقاس أصبحت لغته مكتوبة ، ومقروءة بعد ثورة أوكتوبر الأشتراكية ، وبفضل السياسة القومية للثورة اللينينية ، التي سمحت بتعليم اللغات القومية ، وتأليف ، وإصدار الكتب التعليمية ، والتربوية ، والمنهجية ، وافتتاح المدارس ، ودور التعليم .

 كما رأينا فإن حروف الكتابة الشركسية مرت بمراحل ، وأطوارصعبة ، ومعقدة  اعتمدت فيه أولا على أشكال الحروف العربية ، ثم انتقلت إلى الحروف اللاتينية ثم استخدمت الحروف السيريلية السلافية أخيرا .

ــ الكاتب الصحفي : باتر بي برسر مدير معهد الجمهورية للتراث ، والدراسات ،
والعلوم الإنسانية .

ــ الترجمة : ماهر غونجوق .